بين طموح النص وواقع الرصيف.. الطفولة الموريتانية وتحدي الأمان
بين طموح النص وواقع الرصيف.. الطفولة الموريتانية وتحدي الأمان

لم تعد حماية الطفولة في موريتانيا مجرد شعار يُرفع في المحافل الدولية أو حبراً يُسكب على الأوراق الرسمية، بل أضحت قضية أمن اجتماعي وحضاري تُقاس بها جاهزية الأمة لبناء مستقبلها. في بلد تتجاذب فيه الأطفال التحدياتُ الاقتصادية والتحولاتُ الاجتماعية، تُفتح يومياً ملفات معقدة لأطفال يتلمسون طريقهم بين مقاعد الدراسة وقسوة التسرب، وبين حماية القانون ودفء الرعاية الأسرية.
فكيف تتقاطع جهود القطاعات الحكومية مع خبرات المنظمات الدولية والمجتمع المدني لنشر مظلة أمان تقي براعم الوطن غوائل الضياع؟
أولاً: الاستراتيجيات الحكومية.. خطوط الدفاع الأولى
تقود الحكومة الموريتانية جهود الحماية عبر منظومة قطاعية متكاملة تتقاسم الأدوار بين الوقاية، والرعاية، والحماية القانونية:
1. وزارة الشؤون الاجتماعية والطفولة والأسرة (القطاع المحوري)
تُعدّ الوزارة الدينامو الأساسي والموجه العام لسياسات حماية الطفل، وتتجلى جهودها في:
السياسات والاستراتيجيات الوطنية:صياغة وتحديث “الاستراتيجية الوطنية لحماية الطفولة” لتنسيق التدخلات بما يتوافق مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والميثاق الإفريقي.
إدارة مراكز الحماية والإدماج:تشغيل مراكز الحماية والإدماج الاجتماعي للأطفال (في مقاطعات كالمينا، دار النعيم، وسبخة)، والتي تقدم التكفل النفسي والاجتماعي والطبي للأطفال فاقدي السند الأسري، وضباط الميدان، والأطفال المعرضين للانحراف، بهدف إعادة إدماجهم في أسرهم وفي المدارس.
التنسيق الجهوي والإنذار المبكر:الإشراف على “الطاولات الجهوية لحماية الطفل” على مستوى الولايات لضمان رصد الانتهاكات والتدخل السريع.
2. وزارة العدل (الحماية القضائية وتأهيل الأحداث)
تركز وزارة العدل على ضمان حقوق الأطفال أثناء احتكاكهم بالمرفق القضائي:
قضاء الأحداث المتخصص: تفعيل إدارة الحماية القضائية للأطفال وإنشاء محاكم خاصة بالأحداث تضع “المصلحة العليا للطفل” فوق أي اعتبار عقابي.
إعادة التأهيل بدلاً من السجن:إدارة مركز إعادة تأهيل القاصرين المجهزة لضمان عدم إيداع الأطفال في السجون العامة مع الكبار، وتوفير برامج التكوين المهني والدعم النفسي لهم لضمان إعادة الدمج بعد قضاء العقوبة.
التعاون الشرطي: الشراكة مع الفرقة المختصة المكلفة بالقاصرين التابعة لوزارة الداخلية للتعامل الإنساني والقانوني أثناء الاحتجاز الأول.
3. وزارة التهذيب الوطني وإصلاح نظام التعليم (الوقاية التربوية)
تُمثل الوزارة جدار الوقاية الأول لحماية الطفل من الشارع والتهميش:
تفعيل إلزامية التعليم: تطبيق القوانين التي تجبر الأولياء على إبقاء الأطفال في المدارس حتى سن 15، مما يحد بشكل مباشر من ظاهرة عمالة الأطفال والتسرب.
مشروع “المدرسة الجمهورية”: ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص وحظر أي شكل من أشكال التمييز الطبقي أو العرقي داخل البيئة المدرسية، وتوفير المستلزمات لغرس قيم المواطنة.
ثانياً: الشركاء الدوليون والمجتمع المدني.. الذراع الميدانية
لا تكتمل المنظومة إلا بالشراكة الميدانية مع الفاعلين الدوليين والجمعيات الأهلية التي تلامس الواقع اليومي للأطفال:
1. منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف – مكتب موريتانيا)
تركز المنظمة في استراتيجيتها وبرامجها المعلنة على موقعها الرسمي على مجموعة من المحاور الأساسية لحماية وتعزيز حقوق الطفل والشباب في البلاد:
الصحة والتغذية:
الرعاية الصحية الأولية: دعم النظام الصحي المحلي، وخصوصاً في المناطق النائية والريفية، عبر نشر وتدريب العاملين الصحيين المجتمعيين.
التطعيم والأدوية: توفير اللقاحات الروتينية للأطفال والأدوية الأساسية للحد من وفيات الأمهات والمواليد والرضع.
مكافحة سوء التغذية: الكشف المبكر عن حالات سوء التغذية الحاد وتوفير الأغذية العلاجية والدعم الغذائي للأمهات والأطفال.
المياه والصرف الصحي والنظافة (WASH):
توفير المياه الصالحة للشرب:إنشاء وتأهيل شبكات ومحطات ضخ المياه (بما في ذلك تقنيات الطاقة الشمسية في المناطق المعرضة للجفاف).
الصرف الصحي والنظافة:بناء وتأهيل المرافق الصحية والشبكات العامة، وتنظيم حملات للتوعية بالنظافة الوقائية داخل المجتمعات والمدارس.
حماية الطفل:
التسجيل في الأحوال المدنية:دعم جهود الحكومة لضمان تسجيل جميع الأطفال ومواليد الجدد عند الولادة لحفظ حقوقهم القانونية.
مكافحة الممارسات الضارة:محاربة ظواهر مثل تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية (الخِتان) وزواج الأطفال والعنف الأسري والمجتمعي.
البيئات الآمنة: إنشاء مساحات صديقة للأطفال تقدم الدعم النفسي والاجتماعي وأنشطة الترفيه والتأهيل، وخاصة للأطفال الأكثر هشاشة.
التعليم وتنمية المهارات:
التعليم الأساسي والماقبل مدرسي: تحسين فرص التحاق الأطفال بالمدارس، ودمج المقاربات التعليمية المبكرة.
التعلم البديل:دعم مراكز التعليم ومحو الأمية للأطفال واليافعين غير المتمدرسين أو اللاجئين.
مشاركة الشباب والسياسات الاجتماعية:
تمكين الشباب: إطلاق وتطوير منصات تفاعلية مثل U-Report Mauritania لإتاحة الفرصة للشباب للتعبير عن آرائهم والمشاركة في قضايا مجتمعهم.
السياسات الاجتماعية: إدماج برامج الحماية الاجتماعية للحد من الفقر المتعدد الأبعاد وتعزيز الشمول الاجتماعي للأسر الأكثر فقراً.
الاستجابة الإنسانية والمرونة المناخية:
مساعدة اللاجئين والمجتمعات المضيفة: تقديم الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم، المياه) في مناطق استضافة اللاجئين (مثل منطقة باسكنو ومخيم امبره).
التكيف مع التغير المناخي: دعم قدرة المجتمعات والخدمات الحيوية على الصمود أمام الجفاف والصدمات البيئية.
و تعتمد اليونيسف في موريتانيا على العمل الميداني المباشر بالتعاون مع القطاعات الحكومية المعنية والشركاء المحليين للتحول من الاستجابة الطارئة إلى بناء أنظمة قوية ومستدامة تضمن لكل طفل حق النمو والتطور.
2. المنظمات غير الحكومية
تؤدي المنظمات الأهلية دور خط التماس المباشر مع الحالات الحرجة:
جمعية صحة الأم والطفل (AMSME):نموذج للمنظمات الوطنية الرائدة التي تدير مراكز استماع واستقبال لضحايا العنف والاستغلال، وتوفر خطوطاً ساخنة للإبلاغ عن التجاوزات والتكفل القانوني والنفسي بالضحايا.
شبكات حماية الطفل المحلية: جمعيات قاعدية تنشط في الأحياء الشعبية والأرياف لرصد حالات الإهمال والتسرب وتوفير الرعاية الأولية.
حوار خاص: منظمة “أمل الطفولة” بتكنت
وقد أجرينا مقابلة حول تخصص المنظمة واهدافها وانواع الحماية التي تقدمها للطفولة مع رئيس منظمة “أمل الطفولة” التي تتخذ من مدينة تكنت مقراً لها، السيد محمد فال الخراشي، وهذا مضمونها:
الوجهة:
السلام عليكم السيد الرئيس، بعد التحية والسلام نود أن نوجه لكم بعض الأسئلة حول حماية الطفولة والدور الذي تضطلع به منظمتكم.
رئيس المنظمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أولاً اشكر “الوجهة” على اهتمامها بمنظمتنا والدور الذي تلعبه في مجال نرى أن الجميع يجب أن يساهم فيه نظراً لأهميته، فالطفل هو حجر الأساس لتنشئة مجتمع صالح وقادر على البناء، وتفضلوا بأسئلتكم.
الوجهة:
ما هو تخصص منظمة أمل الطفولة؟
رئيس المنظمة:
تتخصص منظمة أمل الطفولة في حماية حقوق الأطفال ورعايتها والمساهمة في تنشئتهم تنشئة سليمة، والعمل على ضمان حقهم في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتعزيز تكافؤ الفرص بما يسهم في بناء جيل واعٍ قادر على خدمة مجتمعه.
الوجهة:
ما الهدف من الاندفاع في حماية الطفل؟
رئيس المنظمة:
الهدف من العمل في مجال حماية الطفل هو الإسهام في بناء مجتمع أكثر أمناً وعدلاً من خلال حماية الأطفال من جميع أشكال العنف والإهمال والاستغلال، وضمان تمتعهم بحقوقهم الأساسية، وتوفير بيئة آمنة تساعدهم على النمو السليم وتعزز فرصهم في التعليم والصحة والمشاركة الإيجابية في المجتمع.
الوجهة:
ما هي أشكال الحماية التي تقدمها المنظمة للحماية من العنف اللفظي والبدني للأطفال؟
رئيس المنظمة:
تعمل المنظمة على نشر الوعي بحقوق الطفل وتعزيز ثقافة التربية الإيجابية وتنظيم حملات توعوية تستهدف الأسر والمعلمين والمجتمع، كما تقدم الإرشاد والتوجيه للحالات التي تتعرض للعنف، وتنسق مع الجهات المختصة لضمان الحماية اللازمة، وتعمل على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين وتنظيم أنشطة تربوية وترفيهية تعزز ثقة الطفل بنفسه وتنمي شخصيته في بيئة آمنة خالية من العنف.
الوجهة:
شكراً جزيلاً لكم على هذه السانحة.
ختاماً
في نهاية المطاف، لا تُقاس نجاحات الدول بما تمتلكه من نصوص قانونية أو خطط استراتيجية مدونة، بل بمدى البسمة التي ترتسم على وجوه أطفالها في الأزقة والقرى والمقاطعات النامية.
إن المجهود الملموس لوزارات التهذيب والعدل والشؤون الاجتماعية، بالشراكة مع “اليونيسف” والمجتمع المدني، يمثل جدار صدٍ مانع، لكنه يظل بحاجة متواصلة لسد الفجوة بين الأطر النظرية والتطبيق الميداني. فالطفل الموريتاني لا يحتاج فقط إلى قانون يحميه، بل إلى بيئة متكاملة تضمن له حقه في التعليم، والكرامة، والعيش بأمان.. لأن العناية بالطفل اليوم هي الاستثمار الأضمن في موريتانيا الغد.



